إخوان الصفاء

435

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

فصل في بيان طريق الخطأ عند العقلاء وخطأ القياس عند الفلاسفة واعلم يا أخي بأن على هذا المثال يجري سائر أحكام العقلاء وظنونهم وتوهمهم في الأشياء قبل البحث والكشف ، وذلك أن أكثر الناس إذا رأوا في بلدهم ريحا أو مطرا أو حرّا أو بردا أو ليلا أو نهارا أو شتاء أو صيفا ، ظنّوا وتوهّموا بأن ذلك موجود في سائر البلدان ، قياسا على ما يجدون في بلدهم ، كما كانوا يظنّون ، وهم صبيان ، في سائر بيوت الناس مثل ما كانوا يجدون في بيوت آبائهم ، حتى استبان لهم بعد التجربة حقيقة ما كانوا يتوهّمون كما بيّنّا قبل . فهكذا يجري حكم العقلاء من الناس في ظنونهم وتوهّمهم في مثل هذه الأشياء التي تقدّم ذكرها ، حتى إذا نظروا في العلوم الرياضية ، وخاصّة علم الهيئة « 1 » ، استبان لهم عند ذلك حقيقة ما كانوا يظنون ويتوهّمون صوابا كان أو خطأ . واعلم يا أخي بأن الإنسان لا ينفكّ من هذه الظنون والأوهام ، لا العقلاء المتيقّنون ، ولا العلماء المرتاضون ، ولا الحكماء المتفلسفون أيضا ، وذلك أنّا نجد كثيرا ممن يتعاطى الفلسفة والمعقولات والبراهين يظنّون ويتوهّمون أن الأرض في موضعها الخاصّ بها هي ثقيلة أيضا ، قياسا على ما وجدوا من ثقل أجزائها ، أيّ جزء كان . فإذا كان هذا هكذا ، فغير مأمون أن تكون سائر القياسات تجري هذا المجرى ، وفي هذا ما يدل على ضعف القياس وفساده ودلالته ، وهكذا يظنّ كثير منهم : من يكون في مقابلة بلدهم من جانب الأرض ، أن قيامهم يكون منكوسا ، قياسا على ما يجدون من حال من يكون واقفا تحت سطح ، وآخر هو قائم فوقه ، رجلاه في مقابلة رجليه ،

--> ( 1 ) الهيئة : علم يبحث عن أحوال الأجرام البسيطة العلوية والسفلية من حيث الكميّة والكيفيّة والوضع والحركة اللازمة لها وما يلزم منها .